العلاقة الباردة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتيار الصدري: جذور تاريخية وتقاطعات متوترة

نتحدث عن الحكاية العلاقة الباردة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية و التيار الصدري _

العلاقة الباردة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتيار الصدري

بقلم: محمد المشهداني

تُعَد المدرسة الصدرية، المتمثلة في أسرتي آل شرف الدين وآل الصدر، إحدى أبرز المدارس الدينية والفكرية والسياسية التي تركت بصمة مؤثرة في العراق ولبنان وإيران، بل وفي الساحات العربية والإسلامية على المستويات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية. وقد أنجبت هذه المدرسة شخصيات لعبت أدوارًا محورية، من بينها المرجع الديني السيد إسماعيل الصدر، الذي أفتى بمقاومة الاستعمار الروسي في إيران والاستعمار الإيطالي في ليبيا، والمرجع الديني الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين، الذي كان من أبرز الرافضين والمقاومين للاستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان، ومن أوائل المؤسسين لمؤتمر وادي الحجير عام 1920 الداعم لمقاومة الاحتلال الفرنسي.

كما كان للسيد محمد حسن الصدر، رئيس الوزراء العراقي الأسبق، دور مهم في تأسيس الدولة العراقية إلى جانب الملك فيصل الأول. أما السيد محمد باقر الصدر، فقد أسس حزب الدعوة الإسلامية، وكان الإمام السيد موسى الصدر مؤسس حركة أمل والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان. ويُعد السيد محمد صادق الصدر الأب الروحي للخط الصدري، الذي يمثل اليوم امتداده السياسي زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي العراقي.

ورغم الجذور المشتركة، فإن العلاقة بين السيد مقتدى الصدر والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحديدًا محور المقاومة، اتسمت بالبرود وعدم الوضوح على مدى 25 عامًا، الأمر الذي دفع السيد الصدر أحيانًا لرفع شعارات مثل “لا شرقية ولا غربية” أو اتهام خصومه بالتبعية لإيران. والسؤال المطروح هنا: ماذا تريد إيران من السيد مقتدى الصدر وتياره، وما الهدف من هذه العلاقة المتذبذبة؟

بدأت ملامح التداخل الإقليمي تتضح منذ عام 1998، حين تولى الجنرال قاسم سليماني قيادة “فيلق القدس”، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني والمسؤول عن دعم حركات التحرر، وفي مقدمتها حزب الله اللبناني، وحركتا حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، إلى جانب قوى في العراق وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان. ومع أحداث 11 سبتمبر 2001، واحتلال الولايات المتحدة لأفغانستان، ثم غزو العراق عام 2003 وسقوط نظام حزب البعث، توسعت الملفات بين طهران وواشنطن، وازدادت حاجة إيران إلى حركات مقاومة منضبطة وموحدة القيادة تحت إشراف سليماني، الذي رأى في نموذج حزب الله، عقائديًا وعسكريًا وسياسيًا، تجربة مثالية قابلة للاستنساخ في مناطق أخرى يتواجد فيها الشيعة، وكان العراق على رأس هذه القائمة.

لكن إيران، بعد سقوط نظام البعث، واجهت عقبات أمام تحويل التيار الصدري إلى نسخة عراقية من حزب الله. ورغم مكانة السيد مقتدى الصدر الدينية والشعبية وارتباطه التاريخي بالخط الصدري المرجعي في النجف، إلا أن الخلافات الفكرية والفقهية بين والده السيد محمد محمد صادق الصدر وولاية الفقيه الإيرانية ألقت بظلالها على العلاقة.

في التسعينيات، كان السيد محمد محمد صادق الصدر من القلائل في النجف الذين آمنوا بولاية الفقيه، لكنه اشترط أن يكون الولي الفقيه أعلم الأحياء، وهو ما رآه متحققًا في نفسه لا في السيد علي الخامنئي. وقد صرّح بذلك عام 1998، معتبرًا أن السيد الخامنئي يملك ولاية على إيران فقط، لا على عموم المسلمين، ما شكّل نقطة تحول فاصلة وأساسًا لقطيعة لاحقة.

تفاقم التوتر عندما أرسل السيد الصدر ابن عمه السيد جعفر الصدر لفتح مكتب في قم، لكن الأمن الإيراني أغلقه واعتقله ثلاثة أيام، مشترطًا عدم إعادة افتتاحه. ثم جاء اغتيال السيد محمد محمد صادق الصدر ونجليه مصطفى ومؤمل في 19 فبراير 1999 ليترك جرحًا عميقًا في الوعي الشيعي العراقي. وقد زاد من الاحتقان ما حدث في “مسجد أعظم” في قم، حين اندلعت توترات بين أنصار الخط الصدري ومسؤولين إيرانيين، انتهت بتدخل الأمن وإلغاء مجلس العزاء واعتقال العشرات.

قبل اغتيال والده، كان مقتدى الصدر شابًا في مقتبل العمر، يشغل منصب عميد جامعة الصدر الدينية ورئيس تحرير مجلة “الهدى”، إلى جانب أدوار إدارية في “براني” والده. وبعد الاغتيال، حاول الاستمرار في مشروع والده، لكن القيود الأمنية لنظام البعث أجبرته على الانكفاء حتى عام 2003.

مع سقوط بغداد في 9 أبريل 2003، برز مقتدى الصدر إلى الواجهة، داعيًا لفتح المؤسسات وتنظيم الأمور العامة، ثم أعلن تأسيس “المقاومة السلمية” ضد الاحتلال الأميركي، التي تمثلت في المظاهرات والاعتصامات والنشرات. وسرعان ما صعّد خطابه، رافضًا سلطة الاحتلال ومجلس الحكم، وأعلن تشكيل “جيش الإمام المهدي”، الذي خاض انتفاضتين ضد القوات الأميركية عام 2004، كانت شرارتهما اعتقال قيادات من التيار الصدري وإغلاق صحيفة “الحوزة”.

هكذا تشكّلت ملامح العلاقة الباردة بين التيار الصدري وإيران، علاقة تقوم على التلاقي في بعض الأهداف، والتباعد في المرجعية الفقهية والرؤية الاستراتيجية، لتظل محكومة بتاريخ طويل من التوجس والحسابات المعقدة.

السيد عبد الحسين شرف الدين و السيد علي الصدر والشيخ محمد تقي آل صادق والشيخ محمد رضا آل ياسين والشيخ مرتضى آل ياسين. ويظهر في الصورة السيد علي شرف الدين والشيخ علي شور من طورا وطلبة من آل رضوي من الهند. الواقف على يسار السيد علي هو الخال السيد محمد رضا شرف الدين.

Please, leave a comment...

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.