رحل إسماعيل “إش” أحمد، لكن بصمته ستبقى حيّة في كل مساحة خدمة، وكل مشروع عدالة اجتماعية، وكل نغمة موسيقى عبرت بين ثقافات ديترويت وديربورن. هذا رثاءٌ لشخص لم يكتفِ بالكلام، بل جعل الفعل أسلوب حياة—كما لخّصه الأستاذ عون جابر: “نحن لسنا ما نقول بل ما نفعل”.
خبر رحيله… ومعنى الغياب
تلقّت الجالية في ديربورن وديترويت خبر وفاة إسماعيل “إش” أحمد بحزنٍ عميق، وفق نعيٍ متداول على منصات التواصل الاجتماعي يصفه بأنه “حياة شكّلت المجتمع والثقافة والخدمة العامة”.
ومع أن الكلمات تُقال كثيرًا عند الرحيل، فإن حالة “إش” استثناء: لأن ما تركه ليس مجرد ذكرى، بل مؤسسات قائمة، ومسارات مفتوحة، وثقافة تنظيم علّمت أجيالًا كيف يتحول الانتماء إلى عملٍ عام.
من بروكلين إلى “ديكس”: مدرسة التنوع الصلبة
يكتب الأستاذ عون جابر في النص الذي أرسلته لنا—والذي يصلح أن يكون شهادة تاريخية—أن إسماعيل وُلد في بروكلين، ثم انتقل وهو في السادسة إلى جنوب شرق ديربورن (ديكس) قرب مصنع الروج، في مساحة صغيرة “لا تتجاوز ميلين مربعين” لكنها كانت غنية بتنوعٍ وصل إلى “اثنين وخمسين قومية” بعد الحرب العالمية الثانية.
هذه ليست تفصيلة “سيرة ذاتية” لطيفة. هذا وصفٌ لبيئة تصنع شخصياتٍ قادرة على فهم الناس من الداخل: العمال، المهاجرين، المختلفين، والمهمّشين. وتلك القدرة ستصبح لاحقًا حجر الأساس في مشروعه العام.
وتتلاقى هذه الصورة مع شهادات أخرى عن نشأته متعددة الجذور والهويات، منها ما نشرته ACLU of Michigan ضمن “تسليط الضوء” على مسيرته.
عامل على خط التجميع… ومنظم في الشارع
في نص عون جابر، تتضح نقطة مفصلية: “إش” لم يأتِ إلى العمل العام من “برجٍ عاجي”، بل من العمل العمالي المباشر والنضال ضد التمييز والقمع، ومن تجربة التنظيم في محيط المصنع والنقابات—خصوصًا ضمن اتحاد عمّال السيارات.
هذه الخلفية ليست “سياسة” بالمعنى الحزبي الضيق؛ إنها فهمٌ عملي: كيف تُدار القوة؟ وكيف تُنتزع الحقوق؟ وكيف يُحمى الناس من أن تُسحقهم البيروقراطية أو العنصرية أو الفقر؟
وتؤكد مصادر صحفية محلية هذا المسار العمالي/التنظيمي المبكر، وتصفه كشخصية كان الجميع ينادونها “إش”، وأنه شارك في تأسيس ما صار لاحقًا إحدى أهم مؤسسات الخدمة العربية الأميركية في البلاد.
“نحن لسنا ما نقول بل ما نفعل”: فلسفة حياة مختصرة
“نحن لسنا ما نقول بل ما نفعل”
— من نص الأستاذ عون جابر عن إسماعيل “إش” أحمد
هذه الجملة ليست “اقتباسًا جميلًا” لتزيين الرثاء. إنها معيارُ قياس. وإذا طبقناها على سيرة “إش”، سنجد سجلًا طويلًا من الأفعال التي تحولت إلى بنية مجتمع.
أكسس: من كرسي وطاولة… إلى مؤسسة عملاقة
يقول عون جابر إن مجموعة من التقدميين اللبنانيين والفلسطينيين واليمنيين بادرت إلى إنشاء ACCESS عام 1973، وكان إسماعيل واحدًا من المؤسسين، وأن المكان بدأ “بكرسي وطاولة مكتب وطاولة بينغ بونغ”، ثم تطور إلى “أكبر مؤسسة عربية أميركية يُعتد بها”، وارتبط لاحقًا بقيام أول متحف عربي أميركي، وصولًا إلى مشروع “مركز النقاهة لمكافحة الإدمان” على شارع ميشيغان في ديربورن.
هذا المعنى—تحويل الحاجة إلى مؤسسة—يتقاطع مع توصيفات خارج نص عون جابر عن دور “إش” في تأسيس أكسس في أوائل السبعينيات، وكيف تحولت الفكرة إلى بنية خدمات واسعة.
إرث ملموس في ديربورن
- أكسس ليست “عنوانًا”؛ إنها شبكة خدمات، وفضاء استقبال للمهاجرين الجدد، ومدرسة تنظيم للحقوق المدنية.
- هذا الإرث جزء من ذاكرة ديربورن الحديثة: مدينة بنت قوتها من العمال والهجرة والتنظيم الأهلي—لا من الشعارات وحدها.
من ديربورن إلى لانسنغ: إدارة الدولة كخدمة عامة
في عام 2007 أعلنت حاكمة ميشيغان Jennifer Granholm تعيين إسماعيل أحمد مديرًا لوزارة الخدمات الإنسانية في ميشيغان (آنذاك).
وتشير مواد جامعية عن تلك المرحلة إلى أنه قاد الوزارة خلال فترة اقتصادية قاسية، مع تركيز على مكافحة الفقر وإصلاحات في الخدمات.
هذه النقلة مهمة: كثيرون ينجحون في العمل الأهلي، ثم يتعثرون حين يدخلون الدولة. “إش” فعل العكس: أخذ منطق التنظيم والخدمة العامة إلى مؤسسة ضخمة، حيث الميزانيات والسياسات والبيروقراطية—وحاول أن يجعل الدولة أقل قسوة على الناس.
الفنون ليست “ترفًا”: موسيقى كجسر عدالة
إذا كان العمل الاجتماعي هو “الخبز”، فالفن عند “إش” كان “الماء”: لا حياة بدونه.
ارتبط اسمه بالمشهد الثقافي في ديترويت عبر مهرجان عالمي النكهة مثل “Concert of Colors”، وبحضوره الإذاعي عبر WDET 101.9 FM كصاحب برنامج موسيقي.
ومن هنا نفهم لماذا اختير لاحقًا ضمن ترشيحات/تغطيات تتعلق بالمجلس الوطني للفنون، إذ أشارت تقارير إلى دوره بوصفه مؤسسًا مشاركًا لـ Arab American National Museum وفاعلًا ثقافيًا في ديربورن وديترويت.
مربع صغير عن “إش” كما رآه عون جابر
يصفه عون جابر بأنه: “المتواضع، الحيي، النجيب”… وبأنه “مكافح شجاع وناشط لا يتهيب المواجهة مسلحًا بعقلانية وثقافة”. ويورد أدوارًا صدامية لصالح الناس: التصدي لمحاولات إقصاء العرب من جنوب شرق ديربورن، ومواجهة شركات تلوث الهواء وإجبارها على تركيب مصافي للعوادم، إضافة إلى اشتباكه اليومي مع قضايا التحرر العالمية ودعمه للشعب الفلسطيني.
ديربورن تتذكر من “بنى” لا من “تزيّن”
ديربورن—بكل تناقضاتها الجميلة والمتعبة—تعرف هذا النموذج:
ناسٌ لا تتعامل مع الهوية كديكور، بل كمسؤولية. لا تُحوّل الانتماء إلى عصبية، بل إلى خدمة. لا تتعامل مع السياسة كمباراة، بل كحماية للناس.
“إش” كان واحدًا من هؤلاء. وربما أهم ما يتركه لنا هو هذه الفكرة البسيطة والقاسية في آن:
المجتمع لا يُبنى بالنيات… بل بالهياكل.
ومَن يبني “هياكل” خدمة، يظل حاضرًا حتى بعد الغياب.
كلمة أخيرة: كيف نُكرم “إش” عمليًا؟
الرثاء الحقيقي ليس “بوست” طويلًا ولا صورة مؤثرة. الرثاء الحقيقي يشبه “إش”:
- دعم المؤسسات التي تخدم الناس على الأرض.
- حماية فضاءات الثقافة من الاختزال والتسليع.
- الدفاع عن المهاجرين والعمال والمهمّشين… لأن هذا كان خطّه المستقيم منذ البداية.
رحم الله إسماعيل “إش” أحمد… وألهم ديربورن أن تُنجب المزيد ممن يتركون أثرًا يشبه الفعل لا الكلام.
المصادر (Source List)
- نعي متداول على إنستغرام حول رحيل إسماعيل “إش” أحمد.
- بيان/سيرة: ACLU of Michigan – “Spotlight on Arab American History Month: Ismael Ahmed”.
- بيان رسمي: ولاية ميشيغان (أرشيف الحاكمة غرانهولم) – تعيين إسماعيل أحمد لقيادة وزارة الخدمات الإنسانية (2007).
- تغطية اقتصادية/سياسية محلية: Crain’s Detroit Business حول اختياره لقيادة الوزارة (2007).
- مادة جامعية/مؤسسية: University of Michigan HR – “On the Front Line Against Poverty” عن دوره في قيادة الوزارة خلال أزمة اقتصادية.
- إذاعة ديترويت العامة WDET 101.9 FM – تغطيات متعددة عن “إش” أحمد ودوره الثقافي/الإذاعي.
- مقابلة حول مهرجان Concert of Colors ودوره الثقافي (WorldMusicCentral).
- تغطية ثقافية/محلية: Metro Times عن Concert of Colors وإش أحمد.
- سجل رسمي: Congress.gov – إدراج اسمه ضمن ترشيحات/سجلات المجلس الوطني للفنون (2021).
- تغطية: Ideastream عن اختيارات المجلس الوطني للفنون وتوصيف دوره الثقافي والمؤسسي.
- نص الرثاء المقتبس في هذا المقال: “عون جابر” (كما ورد كاملًا في رسالة القارئ/المصدر المرسل إلى Dearborn Blog).
إخلاء مسؤولية
هذا المقال لأغراض إعلامية وتوثيقية، ويعتمد على مصادر منشورة علنًا، إضافة إلى النص المرسل من الأستاذ عون جابر. قد تَرِد معلومات لاحقًا تُحدِّث تفاصيل الوفاة أو مراسم العزاء أو بعض التواريخ. لأي تصحيح أو تعليق ترغبون بإدراجه في المقال، يرجى مراسلة: info@dearbornblog.com.

