هناك خطابٌ سياسي يقدّم نفسه على أنه “واقعي”، بينما هو في كثير من الأحيان ليس إلا طريقة مهذبة لتبريد الغضب الأخلاقي، وتذويب الفوارق، وتحويل الجرائم الكبرى إلى مجرد “تعقيدات”. يبدأ هذا الخطاب عادةً بعبارات من نوع: “الصورة ليست أبيض وأسود”، ثم ينتهي عمليًا إلى مساواة المعتدي بالمعتدى عليه، والمشروع الاستعماري بمن يقف في وجهه، والجلاد بالضحية.
لا أحد ينكر أن السياسة معقّدة، وأن الدول تتحرك بالمصالح، وأن الساحات الإقليمية مليئة بالتناقضات والازدواجيات والتحالفات المؤقتة. لكن التعقيد لا يلغي الحقيقة الأساسية، والمصالح لا تمحو الجريمة، والبراغماتية لا ترفع المسؤولية عن العدوان. عندما تُقصف دولة ذات سيادة، وتُستباح أجواؤها، وتُحشد القوات الأميركية من جديد في المنطقة مع دخول الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث، فالمسألة لا تعود مجرد “تصادم نفوذ” كما يحب البعض أن يصفها، بل عدوانًا تتسع آثاره على المنطقة كلها. وقد أفادت رويترز في 20 مارس/آذار 2026 بأن واشنطن بصدد نشر آلاف إضافيين من مشاة البحرية والبحارة في الشرق الأوسط، مع وجود نحو 50 ألف جندي أميركي أصلًا في المنطقة.
هنا تحديدًا يسقط أول قناع من أقنعة “الواقعية”. لأن الواقعية الحقيقية لا تبدأ من دفن الفروق، بل من ترتيب الأولويات. من هو الطرف الذي يحتل فلسطين، ويرتكب الإبادة في غزة، ويواصل القصف في لبنان، ويُخضع المنطقة كلها لمنطق التفوق العسكري الدائم؟ ومن هو الطرف الذي يملك الغطاء الأميركي الكامل سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا؟ محكمة العدل الدولية كانت واضحة في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 حين خلصت إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، كما أصدرت في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أوامر باتخاذ تدابير مؤقتة مرتبطة بالتزامات منع الإبادة الجماعية. هذه ليست شعارات حماسية، بل خلاصات صادرة عن أعلى هيئة قضائية دولية.
أما القول إن “لا أخلاق في السياسة”، فهو في الحقيقة ليس وصفًا للواقع بقدر ما هو تبرير للاستسلام أمامه. فلو كانت السياسة مجرد غابة خالصة، لما احتاجت الدول أصلًا إلى لغة الشرعية، ولا إلى ذرائع “الدفاع عن النفس”، ولا إلى خطاب “حماية الاستقرار” و”حقوق الإنسان”. ميثاق الأمم المتحدة نفسه يضع قاعدة أساسية في المادة 2(4) تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. صحيح أن ميزان القوة كثيرًا ما ينتهك القانون، لكن انتهاك القانون لا يُلغي وجوده، بل يفضح المجرم أكثر.
من هنا، فإن رفض العدوان على إيران لا يعني تأليه النظام الإيراني، كما أن رفض غزو العراق لم يكن يومًا تبرئةً لصدام حسين. ورفض الإبادة في غزة لا يعني أن كل فصيل فلسطيني فوق النقد. هذه ليست معضلات فلسفية عصيّة على الفهم، بل بديهيات سياسية وأخلاقية. لكن بعض الخطابات تتعمّد الخلط بينها لكي تنقل مركز الثقل من الجريمة الحاصلة الآن إلى سجلّ المعتدى عليه، وكأن المطلوب منا في كل مرة أن نبدأ بمحاكمة الضحية أو الخصم المستهدف قبل أن نسمّي المعتدي باسمه.
وهنا يظهر جوهر الخلل. فالكثيرون لا يكتفون بنقد إيران، وهو أمر مشروع في ذاته، بل يحوّلون هذا النقد إلى ممرّ نفسي وأخلاقي لتخفيف وضوح الجريمة الإسرائيلية-الأميركية. تُقال الجملة نفسها كل مرة: نعم، هناك عدوان، ولكن ماذا عن إيران؟ نعم، هناك حرب غير شرعية، ولكن ماذا عن تاريخ النظام؟ نعم، هناك مشروع صهيوني توسعي، ولكن ماذا عن نفوذ طهران؟ وهكذا، بدل أن يبقى نقد إيران في موضعه الطبيعي، يصبح أداة لتشتيت البوصلة، وكأننا مطالبون دائمًا أن نكره خصمًا إقليميًا إلى درجة نبرّد معها غضبنا من العدو الوجودي الفعلي.
ثم إن الحجة التي تختزل موقف إيران من فلسطين في مجرد “ورقة نفوذ” تحتاج هي الأخرى إلى شيء من الصدق الفكري. نعم، للدول حساباتها ومصالحها، ولا أحد عاقل ينكر ذلك. لكن أين هي المصلحة الإيرانية السهلة في معاداة إسرائيل وأميركا طوال عقود ودفع أثمان عسكرية واقتصادية وسياسية باهظة؟ الطريق الأقل كلفة كان ولا يزال معروفًا: مصالحة مع واشنطن، سلام مع إسرائيل، واندماج كامل في المنظومة الإقليمية التي تحرسها الولايات المتحدة. هذا الطريق سلكه آخرون فعلًا. أما أن تختار دولة طريق المواجهة، ثم يأتي من يصف ذلك كله بأنه مجرد “خدعة نفوذ”، فهذه ليست واقعية بقدر ما هي تبسيط مريح.
نعم، يمكن نقد سياسات إيران في العراق وسوريا وداخل إيران نفسها. ويمكن رفض القمع حيثما وُجد. ويمكن الدفاع عن الشعوب في وجه الاستبداد أيًا كان لونه. لكن كل هذا لا يلغي أن المشروع الإسرائيلي، المسنود أميركيًا، يبقى الخطر الأكبر والأوضح والأكثر تدميرًا لمستقبل المنطقة. وحين يفقد المثقف أو المحلل قدرته على ترتيب هذا الهرم، فهو لا يصبح أكثر عمقًا، بل أكثر ارتباكًا. لأن العجز عن تعريف العدو الرئيسي ليس نضجًا سياسيًا؛ بل انهيار في البوصلة.
لقد دفعت منطقتنا ثمنًا باهظًا لهذا النوع من التفكير. كلما ظهر عدو وجودي واضح، انشغل بعضنا بتصفية الحسابات مع الخصوم الآخرين، أو بالغرق في تعقيدات جزئية، أو بتكرار جملة “المشهد ليس أبيض وأسود” حتى صار الرمادي لونًا واحدًا يبتلع كل الفروق. عندها لا يعود هناك فرق بين من يقصف المدن ومن يردّ، ولا بين من يفرض الهيمنة ومن يقاومها، ولا بين من يريد شرقًا أوسط خاضعًا بالكامل وبين من يعرقل هذا المشروع، ولو كان عليه من الملاحظات والانتقادات ما عليه.
الوضوح هنا ليس سذاجة. وتسمية الذئب ذئبًا ليست عاطفة زائدة. والتمسك بالبوصلة الأخلاقية ليس هروبًا من السياسة، بل شرطٌ لفهمها أصلًا. نعم، العالم معقّد. ونعم، الأنظمة ليست ملائكة. ونعم، النقد واجب. لكن الأشدّ وجوبًا هو ألّا نسمح لهذا كله بأن يحجب عنا الحقيقة المركزية: العدوان الأميركي-الإسرائيلي هو الخطر الوجودي الأكبر على المنطقة اليوم، ونقد إيران لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لتخفيف هذه الحقيقة أو تمييعها.
وهذا هو الفارق بين الواقعية الحقيقية والوهم الذي يتخفّى باسمها:
الواقعية الحقيقية تُحسن ترتيب الأولويات.
أما وهم “الواقعية”، فيُساوي بين الذئب والفريسة ثم يطلب منّا أن نصفّق له على عمقه.
Excerpt:
في زمن الإبادة في غزة واتساع العدوان الأميركي-الإسرائيلي على المنطقة، لم يعد أخطر ما نواجهه هو السلاح وحده، بل أيضًا خطاب “الواقعية” الذي يذيب الفروق بين المعتدي والمعتدى عليه. نعم، يمكن نقد إيران، لكن نقدها لا يبرّئ إسرائيل ولا يخفف الجريمة الأميركية. البوصلة الأخلاقية تبدأ من تعريف العدو الوجودي الحقيقي، لا من خلط الأوراق حتى يصبح الذئب والفريسة في منزلة واحدة.

