المنتدى الثقافي في ديربورن – وسام شرف الدين يقرأ التأشيرة لهشام الجخ مع تعليق

 

أُسَبِّحُ باسمِكَ اللهُ
وليْسَ سِوَاكَ أخْشاهُ
وأعلَمُ أن لي قدَرًا سألقاهُ.. سألقاهُ
وقد عُلِّمْتُ في صِغَرِي بأنَّ عروبَتِي شرَفِي
وناصِيَتِي وعُنْوانِي
وكنّا في مدارسِنَا نُردّدُ بعضَ ألحانِ
نُغنّي بيننا مثلًا:
“بلادُ العُرْبِ أوطاني.. وكلُّ العُرْبِ إخواني”
وكنّا نرسمُ العربيَّ ممشوقًا بهامَتِهِ
لَهُ صدرٌ يصُدُّ الريحَ إذْ تعوِي.. مُهابًا في عباءَتِهِ
وكنّا مَحْضَ أطفالٍ تُحَرّكُنَا مشاعرُنا
ونسْرحُ في الحكاياتِ التي تروي بطولتَنَا
وأنَّ بلادَنا تمتدُّ من أقصى إلى أقصى
وأن حروبَنا كانت لأجْلِ المسجدِ الأقصى
وأنَّ عدوَّنا صُهيونَ شيطانٌ له ذيلُ
وأنَّ جيوشَ أمّتِنَا لها فِعلٌ كمَا السّيْلُ
سأُبْحِرُ عندما أكبُرْ
أمُرُّ بشاطئ البحرْينِ في ليبيا
وأجني التمرَ من بغدادَ في سوريا
وأعبُرُ من موريتانيا إلى السودانْ
أسافرُ عبْرَ مقديشيو إلى لبنانْ
وكنتُ أخبِّئُ الألحانَ في صدري ووجداني
“بلادُ العُرْبِ أوطاني.. وكلُّ العُرْبِ إخواني”
وحين كبرتُ.. لم أحصلْ على تأشيرةٍ للبحرْ
لم أُبْحِرْ
وأوقفَني جوازٌ غيرُ مختومٍ على الشبّاكْ
لم أعبُرْ
حين كبرتُ
كبُرتُ أنا.. وهذا الطفلُ لم يكبُرْ

كما تعلمون وكما اعتدتم، يقدّم منتداكم هذه الفقرة لقراءة أو استقراء أحد الشعراء العرب، إما للتعريف به، أو لفت النظر إلى بعض جوانب شخصيته أو شعره، أو الاستمتاع بسحر قصائده وجميل بيانه، أو لتسليط الضوء على ظاهرة من ظواهره.

و لا اخفيكم بان اختياري لهشام الجخ وجد بعض التردد، و ذلك لعدم رقي شعره في مراقي الشعر العربي الفصيح، رغم صعوده في الشعبية صعود النجوم في سمائها وبلوغه في استقبال الناس له مبلغاً يشهد له التاريخ بذلك، حتى سمي بـ(هويس الشعر العربي) .. والهويس: هو القنطرة التي تقوم بضخ الماء لري الأرض الزراعية العطشى .. وربما أطلقوا عليه هذا الاسم لارتباطه بالتدفق الشعري .. أو ربما لارتباطه بصعيد مصر وبالأرض وبالحياة الفلاحية.

أولا الكلام حول قصائد هشام الجخ الكثيرة يطول، و خاصة قصائده الشعبية و المضفرة، التي تخلط ما بين الفصيح والعام، كما أن الكلام في قصيدة التأشيرة وحدها يطول أيضا، فهناك أبحاث و رسالات دكتوراه كتبت في قصيدة التأشيرة التي أصبحت، حينما ألقيت، القصيدة الأولى في العالم العربي من ناحية انتشارها الشعبي، حيث لا نستطيع أن نحصي عدد المشاهدين لها الآن، إذ أنها نشرت على الإنترنت في أكثر من 13 ألف نسخة منفصلة، أقدم هذه النسخ شوهدت أكثر من مليوني مرة، و هناك آلاف الفيديوهات لشباب و أطفال عرب يلقونها بصوتهم و عن ظهر قلب، أما الكلام حول ظاهرة هشام الجخ، و ماذا نتعلم منها بالنسبة إلى حاضر و مستقبل الشعر العربي بحاجة إلى أكثر من عشر دقائق، فإذن لا يتسع الوقت إلا ألى لفت النظر فقط إلى حاجتنا لدراسة ظاهرة نجاح وانتشار قصيدة التأشيرة، التي أثبتت بأن الشعر في العالم العربي لم ينضب معينه، و يم يخمد سوقه، و مازالت الأذن العربية تتجاوب مع الشعر كما يتجاوب الطفل مع حداء أمه، و لكن متى و كيف؟ هذا ما يمكن لهذه القصيدة أن تساعدنا على إجابته.

أولاً لقد ألقيت هذه القصيدة في 12 يناير سنة 2011، أي بعد 25 يوم من انتحار محمد البوعزيزي بإحراق نفسه، و بعد 20 يوم من انطلاق الربيع العربي، و قبل يومين من مغادرة الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي تونس إلى السعودية مطروداً من شعبه، و قبل 13 يوم من انفجار ثورة الغضب أي ثورة 25 يناير في مصر.

فجاءت القصيدة معبرة عن ضمير الشعوب العربية و هي تتفجر غضباً و تنتفض أملاً بالتغيير في ما سمي لاحقاً بالربيع العربي، الذي سرعان ما وئد بيد المؤامرة و الانقسام و الرجعية.
تتحدث القصيدة عن حالة نفسية متأزمة تعيشها الشخصية الشعرية في علاقتها مع الخلفيات السياسية على وجه الخصوص، وتقدم لنا عن طريق السرد صورة شخص كان يظن في صغره أن الأمة العربية الإسلامية متحدة وقوية تربطها أواصر المحبة والإخاء ويجمع بينها الدين والتاريخ..وذلك ما كان يلقنه في مدرسته، لكنه فوجئ بواقع مرير ..الحروب والاستعمار والفرقة والفتنة …

ونلاحظ ابتداء من العنونة أن الشاعر يريد أن يخلق لنفسه تأشيرة من الحرف بعد أن عجز عن أخذها في الواقع. فكان العنوان :التأشيرة”.

ولد هشام الجخ في 1 أكتوبر عام 1978 في محافظة سوهاج، لأسرة صعيدية حصل على بكالوريوس كلية التجارة من جامعة عين شمس عام 2003، وفور التخرج تم تعيينه مشرفاً على المركز الثقافي في جامعة عين شمس حتى استقال من هذه الوظيفة عام 2009 رافضاً حياة الموظفين التقليدية وأيضاً ليتفرغ بشكل كامل للشعر، وقبل ذلك كان قد حصل على الدراسات العليا في علم إدارة الأعمال من نفس الجامعة عام 2007، أيضاً حصل على لقب أحسن شاعر عامية شاب من اتحاد الكتاب المصري عام 2008،

يعتبر الجخ رائداً في مجال كتابة القصيدة (المضفرة) التي تجمع بين مقاطع من شعر الفصحى ومقاطع من شعر العامية، ويعتبر أيضاً رائداً في مجال تنظيم الحفلات الشعرية وتقديمها بشكل مختلف وجذاب وإدخال الموسيقى مع الشعر مع الإيقاع الحركي على المسرح، و قد عُرِفَ بأدائه المتميز وحضوره الكبير على خشبة المسرح حتى انتقده العديد من النقاد بأنه يميل إلى كونه ممثلاً أكثر من كونه شاعراً.

• له أكثر من 60 قصيدة بالفصحى وبالعامية المصرية و اشتهر الكثير منها من خلال تواجده المستمر في وسائل الإعلام العربي مثل (جحا) و(أيوة بغير) و(إيزيس) و(3 خرفان) و(آخر ما حرف في التوراة) و(متزعليش) و(طبعا ماصليتش العشا) و(الجدول) و(مشهد رأسي من ميدان التحرير) وغيرها من القصائد التي لاقت رواجاً كبيراً بين الشباب العربي بشكل عام والمصري على وجه الخصوص. و شارك في أكثر من 15 مهرجان و العشرات من الحفلات و اللقاءات التلفزيونية.

• كان (الجخ) من المبشرين الأوائل بثورات الشعوب العربية من خلال قصائده الثورية منذ التسعينات، و كان مشروعه الذي حلم به لمدة 15 عاماً هو: زيادة شعبية الشعر في مصر وإعادة الشعر على ألسنة الشباب والأطفال.

”التأشيرة” هي مفتاح العبور إلى الغد، إلى الحلم الجميل، إلى الوطن إلى الأمان، فالشاعر قد أخذ على عاتقه أن يكرس الشعر لخدمة القيم الإنسانية والوطنية، شعر رسالي هادف يعتنق الجمال وسيلة لا غاية في حد ذاتها ..لكنه يعبر منها إليها بأساليب فنية جميلة، الوحدة العربية والفساد السياسي ومحاربة الفرقة والتفرق والفتنة ..

والتأشيرة هي تصريح لذلك العبور، فالشاعر يريد من خلال هذا العنوان أن يسافر في عالم الممكن لا عالم الكائن فيتخذ من الشعر تأشيرة للعبور بعد أن اصطدم بالواقع المرير الذي يقتل الأحلام ويفرق الجماعات ويقهر الإنسانية ويضطهد كل ما هو جميل في الحياة…، وكان من قبل يحلم أن يسافر حقيقةً في ربوع الوطن العربي مفتخرا بقوته وتلاحمه والسلام الذي يسود أرجاءه، ولكنه لم يحصل على التأشيرة لأن الواقع ليس كما تصوره لنا أحلام طفولتنا.

ونجده يصرح بهذه الرغبة التي صاحبته منذ الطفولة في قوله:
سأُبحرُ عندما أكبرْ

ويلاحظ القارئ في قوله” كبرت أنا وهذا الطفل لم يكبر.. ”
أن الشاعر يعلن أن حلمه لن ينتهي، وأن رغبته في الإبحار في العالم المفترض لا تزال تسيطر عليه، ولهذا هو يقتطع تأشيرته من الشعر فيسافر في ربوع النص ، وينتقل الحلم من خاطرة تجول في الفكر ورغبة دفينة في القلب إلى رحلة حقيقية تتجسد عبر بنى لغوية وصوتية ملموسة، وهذا ما يدور حوله النص..

لقد لامست هذه القصيدة قلوب الناس ووصلت إلى زوايا الشارع العربي لأنها تحمل هموم الجسد العربي المنهك، الذي هلهلته الحروب والفتن والتشظيات، والدعوة الجادة إلى اعتماد أسهل السبل للنهوض بهذا الجسد وشفاء علله الكثيرة من خلال التكتل والوحدة التي يطالب بها الأنظمة الحاكمة.

يعبّر هشام عن التضاد بين براءة و أصالة و صفاء الضمير العربي، الذي يرمز له بنشيد بلاد العرب أوطاني، و بالطفولة، و يعبر عن غضبه الدفين نحو من قتل هذه البراءة و خنق ذلك الطفل متهماً الحكام بذلك، فيقول:

تُقاتِلُنا طفولتُنا
وأفكارٌ تعلَّمنا مبادءَهَا على يدِكم
أَيَا حكامَ أمّتِنا
ألستم من نشأنا في مدارسِكُم؟
تعلَّمنا مناهجَكُمْ
ألستم من تعلّمنا على يدِكُمْ
بأنَّ الثعلبَ المكّارَ منتظِرٌ سيأكلُ نعجةَ الحمقى إذا للنومِ ما خَلَدُوا؟
ألستم من تعلّمنا على يدِكُمْ..
بأنَّ العودَ محميٌّ بحزمتِهِ.. ضعيفٌ حين يَنْفَرِدُ؟
لماذا الفُرْقَةُ الحمقاءُ تحكمُنا؟!
ألستم من تعلّمنا على يدِكم أن “اعتصموا بحبلِ اللهِ” واتّحدُوا؟

و يعلن عن رفضه تقسيم الدول العربية، و كل الخرائط التي رسمها الاستعمار و سايكس بيكو، و يعلن سخطه على الأنظمة و الحكام بقوله:

لماذا تحجبونَ الشمسَ بالأَعلامْ؟
تقاسمتُم عروبتَنَا ودَخَلًا بينكم صِرنا كَمَا الأنعامْ
سيبقى الطفلُ في صدري يعاديكُمْ
تقسّمْنا على يدِكم فتبَّتْ كلُّ أيديكُمْ

و يظل هشام يهرول ما بين الحلم، والواقع، ليعرّف الهوية العربية، و كأنه يلقي بجميع ما أنشأته السياسة و الاستعمار و الفساد والتسلط خلال المائة سنة الماضية، بلحظة واحدة، في سلة القمامة، و يقف الجمهور العربي معه من المحيط إلى الخليج بدلالة استقبالهم لكلامه بالحماس و الموافقةو التفاعل معه في جميع أنحاء العالم العربي … في تلك اللحظة من إلقاء القصيدة … كان هشام الممثل الأول للعالم العربي …

أنا العربيُّ لا أخجلْ
وُلِدتُ بتونسَ الخضراءِ من أصلٍ عُمَانيٍّ
وعُمري زادَ عن ألفٍ وأمي لم تزلْ تحبَلْ
أنا العربيُّ، في بغدادَ لي نخلٌ، وفي السودانِ شرياني
أنا مِصريُّ موريتانيا وجيبوتي وعَمَّانِ
مسيحيٌّ وسُنِّيٌّ وشيعِيٌّ وكُرْدِيٌّ وعَلَوِيٌّ ودُرْزِيٌّ
أنا لا أحفظُ الأسماءَ والحكّامَ إذْ ترحلْ
سَئِمْنا من تشتُّتِنَا وكلُّ الناسِ تتكتَّلْ
ثم ينتقد الخطاب الديني و المؤسسة الدينية قائلاً:
مَلَأْتُمْ دينَنَا كَذِبًا وتزويرًا وتأليفَا
أتجمعُنا يدُ اللهِ.. وتُبْعِدُنَا يدُ الفيفا؟!
هَجَرْنا دينَنَا عَمْدًا فَعُدنا الأَوْسَ والخزرجْ
نُوَلِّي جهْلَنَا فينا.. وننتظرُ الغَبَا مَخرجْ
و هنا سؤالين:
كيف استطاعت القصيدة أن تغري القارئ المعاصر بما له من خصائص ذوقية تجمع بين الهجين والأصيل؟؟

لم عوّل هشام على هذه اللغة البسيطة ، بدل أن يستثمر شعرية اللغة وجزالتها وخصائصها الإيحائية؟؟؟

تجيب الناقدة عقيلة مراجي من الجزائر:
” إن القارئ أو المستمع لقصائد عمر الجخ يجد شيئا من الحلاوة في شعره، شيء مختلف، وهذا يتأتى من صدق العاطفة، فقد قيل”ما يخرج من القلب يدخل للقلب، وما يخرج من الفم يخرج من الأذن” وهذا حقيقة ليس رأيا مستحدثا، بل لقد ناقش القدماء طبيعة الصورة من حيث جماليتها في حالة العمق وفي حالة المباشرة والسطحية، ولقد أعلوا كثيرا من الصورة ذات العمق والجدة والغرابة لكنهم بالمقابل لم ينقصوا من قيمة الصورة السطحية إذا توافرت على حلاوة المعنى وصدق العاطفة وقوة التأثير..
– أما بالنسبة للمعجم اللفظي الذي يستعمله الكاتب فإنني قد استمعت له كثيرا وقرأت له وتبين لي أنه يريد فنا رساليا وظيفيا يخاطب به العامة بما يتناسب مع السياق التداولي للبيئة الشعرية، وقد يرد علي بأن الشاعر يفتقد للغة الجزيلة الفصيحة البليغة، وأنا لا أستبعد هذا ولا أقربه، لكني أؤمن بأن الشاعر لو أراد تحسين لغته لفعل، فهل يعجز شاعر مثل عمر الجخ أن يفعل ذلك…لا أظن….ويبقى الرأي على طاولة النقاش..” انتهى كلام عقيلة

و لذلك تشعر بأن التأشيرة صرخة أكثر منها قصيدة… و يصدر هشام الجخ بيانه باسم الشعوب العربية و بوجه الأنظمة السائدة:

أَيَا حكّامَ أمّتِنا سيبقى الطفلُ في صدري يعاديكُمْ.. يقاضيكُمْ
ويُعلنُ شعبَنا العربيَّ مُتَّحِدَا

لقد كانت القصيدة على بساطتها صورة فنية تتلاطم فيها الهواجس والعواطف، الغضب، النقمة، الخوف، الحلم، الأمل، كما تلاطمت جملها الإنشائية بجملها الخبرية، و مضارعها بماضيها، و دارت فيها كالزوبعة علامات الاستفهام و الحذف و الاقتباس الحرفي.

النص جاء متأثرا بالبيئة الشعرية ، حيث نجد الشاعر يسجل ما يحدث فيها بلغة شعرية بسيطة تخاطب الوجدان والعقل، ومما يحيلنا في النص إلى الخلفيات السياسية التي ينطلق منها الشاعر و معه الجمهور:

فلا السودانُ مُنقسمٌ ولا الجولانُ مُحْتَلٌّ
ولا لبنانُ منكسِرٌ يُداوي الجُرْحَ منفردَا
ثم يستمر في حلم الوحدة الذي يخاطبه كأنه واقع لا بد أنه حاصل في صورة سريالية كانها خروج عن النص:
سيجمعُ لؤلؤاتِ خليجِنا العربيِّ في السودانِ يزرعُهَا
فيَنبُتُ حَبُّهَا في المغربِ العربيِّ قمحًا
يعصُرونَ الناسُ زيتًا في فلسطينَ الأبيّةِ
يشربونَ الأهلُ في الصومال أبدًا
سيُشعلُ من جزائرِنا مشاعلَ ما لها وَهَنُ
إذا صنعاءُ تشكونا فكلُّ بلادِنا يَمَنُ

ونلاحظ فيما أورده الشاعر استحضارا للفتنة التي تدور في الجسد العربي الإسلامي، من فرقة وطغيان المستعمر بكل أشكاله..ويبدو الشاعر كثير الانفعال والتأثر حول القضية ، مما يجعله يصرح بعدائه للسياسة التي تحكمنا وللحكام في أكثر من موضع، حيث يقول و هو في الإمارات، بنظامها الملكي الوراثي القمعي، و هو عائد إلى مصر بنظامها العسكري الدكتاتوري القمعي حيث حسني مبارك كان مازال في سدة الحكم، فكلامه يحمل مخاطرة حقيقية و هو بذلك يكون جزء من انطلاقة الربيع العربي على المستوى الاعلامي:

سيَخْرجُ من عباءتِكم – رعاها اللهُ – للجمهورِ مُتَّقِدَا
هوَ الجمهورُ لا أنتمْ
هوَ الحكّامُ لا أنتمْ
أتسمعُني جَحَافِلُكُمْ؟
أتسمعُني دواوينُ المعاقلِ في حكومتِكُمْ؟
هوَ الجمهورُ لا أنتمْ
ولا أخشى لكمْ أحدَا
هو الإسلامُ لا أنتمْ فكُفّوا عن تجارتكُمْ
وإلّا صارَ مُرْتَدَّا
وخافوا!
إنَّ هذا الشعبَ حمَّالٌ
وإنَّ النُّوقَ إن صُرِمَتْ
فلن تجدوا لها لَبنًا، ولن تجدوا لها ولَدَا
أحذِّرُكم!
سنبقى رغمَ فتنتِكُمْ فهذا الشعبُ موصولُ
حبائلُكُمْ – وإن ضَعُفَتْ – فحبلُ اللهِ مفتولُ
أنا باقٍ
وشَرعي في الهوى باقِ
سُقِينا الذلَّ أوعيةً
سُقينا الجهلَ أدعيةً
ملَلْنا السَّقْيَ والساقي
ونلاحظ في هذا المقطع اندماج الذات الشاعرة بالواقع حد التنصل من الرقابة الشعرية، ومن ذلك استعماله للتهديد المباشر في قوله:”أحذركم”

قصيدة “التأشيرة” قصيدة حافلة بالقيم الوطنية والإسلامية والأخلاقية ، فهي تدور أساسا حول قضايا الأمة العربية وما يحدث فيها من صراعات دامية وفتن حامية وأحداث مأساوية. وهو خطاب موجه أساسا إلى الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي على وجه الخصوص من حيث كونه خطابا ورسالة، ونص شعري بالنسبة للقارئ العادي يشاركه هموم الأمة.

إنها تجربة شعرية فيها من الجرأة الشعرية، فالشاعر يكشف علنا عن شعوره وعن رغبته في التغيير ، فيستهزأ تارة وينصح تارة ويحذر تارة أخرى.ويدعو القارئ إلى التأمل في حال الأمة التي أصبحت أشلاء .وهذا ما منحها قيمة الأدب الملتزم الهادف الثوري الذي يسعى للتغيير بالكلمة.

إنها الجرأة التي تميزت بها القصيدة في طرح أفكارها، وعرض رؤيتها للوضع المزري الذي تعيشه الأمة، مستخدما أساليب التهكم والتحذير والتدليل كما في قوله:
“أتسمعني جحافلُكم ؟
أتسمعني دواوينُ المعاقلِ في حكومتِكم ؟

أن الشاعر يعلي في قصيدته ناموس العروبة ويدعو إلى التكتل لنستمد القوة، ويطالب الحكام بأن يعيدوا النظر في مسألة هذه الفرقة وأن يمزقوا الأعلام حتى تسطع شمس العرب من جديد. خطابه في القصيدة كان عقلانيا رصينا لا يصدر إلا على عربي غيور على بلده وأمته ودينه وهويته

ويعلن الشاعر في قفلته التي تنضح بالأمل والتحدي ، أنه سيبقى ينتظر تأشيرة في الواقع ليبحر بها في أرجاء الأمة العربية ، فيقول:
سأكبرُ تاركًا للطفلِ فُرشاتي وألْواني
ويبقَى يرسمُ العربيَّ ممشوقًا بهامتِهِ
ويبقى صوتُ ألحاني
“بلادُ العُرْبِ أوطاني.. وكلُّ العُرْبِ إخواني”

Please, leave a comment...

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: